معاً لإعادة بناء المستقبل – تريسي شمعون -3 اَب 2020

Standard

في تشرين الأوّل من عام 2019، انطلقت “الثورة” التي بدأت كموجة من الرفض الشعبي الموجّه ضدّ الفساد الذي وصل إلى ذروته  وابتلى به النظام السياسي التقليدي منذ الحرب الأهلية

أنا لا أسمي هذه الحقبة من تاريخنا “ثورة” حتى الآن ، لأنه لتاريخه لم يتغير الكثير. مع تقدم هذه الثورة العفوية والضخمة ، واجهتها إشكاليات عديدة تمثّلت باستغلال الأحزاب السياسية التقليدية لهذا الحراك التي كان لها مصلحة راسخة في الحفاظ على الوضع القائم على المحسوبية – الذي سمح للأحزاب من المحافظة على حيثيّتهم وقوّتهم قوتهم للإستفادة من الأرباح الهائلة والفاحشة لعقود من الزمن

بمجرد أن كشفت الثورة عن مستوى الباطل الذي كان البلد قائماً عليه، أعقب ذلك الانهيار الاقتصادي الحتمي الكامل والسريع للبلاد، وقد أدّى تفشي جائحة كورونا العالمية إلى تسريع هذا الإنهيار ما دفع لبنان إلى إطلاق صرخة الرحمة. اليوم ، حتى أكثر المتحمّسين الذين شاركوا في البداية في النضال من أجل التغيير، يبدو أنهم أُحبطوا بسبب تهديد الأحزاب التقليدية بالعنف، ومن جرّاء سلسلة الأحداث السلبية التي تعرّضت لها البلاد منذ الخريف الماضي. هناك في الوقت الحاضر شعور عام بالإرهاق الذي يخنق ، ويزداد الأمر سوءًا بسبب تدابير التقشف المعوقة التي يتم فرضها في كل مكان. جاءت ثورة 17 تشرين الأول 2019 في وقت  حرج ٍمن تاريخ  لبنان حيث لم نتمكن من الاستمرار في الطريق الذي كنّا نسير فيه، فبعض مطالب الناس شكلت بالنسبة لي مطالب إيجابية وضرورية  للتغيير ، وشملت هذه المطالب الدعوة  إلى الإعتماد على الكفاءة  في تعيين أفراد الحكومة وذلك من خلال الإرتكاز على الجدارة والتخصّص، ونبذ الطائفية في أسس الحكم، والفصل بين السلطات، بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ورفع مكانة المرأة في الحكم

ومع ذلك ، في الواقع ، فإن ثورة تشرين  تتعرض حاليًا لخطر التحول إلى ما يشبه خلل في النظام. يبدو كما لو أنه تم ترميموترقيع  هذا النظام مؤقتًا باستخدام نفس الضمادات  الطائفية التي استخدمتها القيادات دائمًا لتغطية جراح الوطن. دعونا نتذكر أنه في تشرين الماضي ، أجبرت موجة الحراك الأوّليّة  الحكومة اَنذاك على الاستقالة ، لكنها لم تستطع إزالتها بالكامل. في الواقع ، انسحب صانعو القرار المختلفون على مضض، من الواجهة  إلى الخلفية فقط لمواصلة القيادة بالوكالة ، وسرعان ما أصبح واضحًا أن الحكومة الجديدة التي ظهرت ، استخدمت بشكل أساسي نفس الإطار الطائفي القديم لتشكيل الحكومة الجديدة وبهّرت هذه الحكومة بتمثيل منصف للمرأة . وبالمثل ، لم يتم اختيار جميع الوزراء على أساس الجدارة والكفاءة ، كما تم تجاهل الوعد باستبعاد الانتماءات الحزبية مع إبقاء العملية الحزبية الطائفية سليمة ومحمية

ومع ذلك ، فقد مرت شهور منذ أن بدأ تفكك البلد ، وحتى الآن ، على الرغم من كل النوايا الحسنة ، لم يحدث أي تحسن في الوضع والبلاد تنزلق نحو الهاوية،  ونتيجة لذلك، نفترض أنه لن يتم فعل أي شيء لتحفيز أي تحول بنّاء وإيجابي في المستقبل. هذا إن حصل، سيتطلب الإعتراف بأخطاء الماضي وبالتالي المخاطرة بالكشف عن استغلال السلطة الذي مورسعلى مدى عقود

الآن ، بعد مرور ما يقرب من عام ، ما زلنا لا نملك خطة قابلة للتنفيذ لإحياء البلاد، والوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. من المتوقع أن يصل الدين العام للبنان إلى 184٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2020 – ثالث أعلى نسبة في العالم. تعمل ضوابط رأس المال غير الرسمية وقيود الدفع على الضغط على الائتمان والسيولة ما يؤدّي إلى وقف التجارة الدولية. داخليًا ، أجبرت تقلبات العملة العديد من الشركات المحلية على الإغلاق. بكل بساطة ، لبنان في خضم أزمات متعددة متزامنة ، من أزمة الصحة العامة ، وانهيار القطاع المصرفي ، وانخفاض قيمة العملة ، والتجارة المجمدة ، وعدم توفّر الوقود إلّا نادراً، وعدم وجود كهرباء ، والتضخم المفرط ، وزيادة الفقر ، ونقص الغذاء ، والتلاعب في الأسعار ، وإفلاس العديد من الشركات التجارية إضافةً إلى ارتفاع معدلات البطالة. والأسوأ من كلّ  ما ذكر أعلاه، الزيادة السريعة في عجز الموازنة بسبب الانخفاض الكبير في إيرادات الدولة ممّا يعرض البلاد أكثر لخطر المزيد من التخلف عن السداد ويهدد ملاءة البلاد للأجيال القادمة

إن آفاق لبنان محفوفة بمخاطر جمّة للغاية ما لم يتم التوافق على حزمة شاملة لإعادة الاستقرار والتي يجب ألا ترتكز فقط على الإقتراح المالي ولكن أيضًا على إصلاح القطاع العام ومعالجة بعض الإشكاليّات الدستورية التي تمّ إغفالها. لا شيء أقل من هذا سينهي عجلة الحكم السيء التي خلقت هذا المأزق الرهيب في المقام الأول

لذلك سأتناول في هذه الورقة مسألة تحديد الأولويات والخطوات المتزامنة الضرورة لإعادة هيكلة القطاع العام الذي يحتاج إلى تطهير جذري. وهذا يشمل النظر إلى الأخطاء والثغرات التي ورثناها من المؤسسين والتي تستمر حتى يومنا هذا لتقويض البنية الأساسية وإدارة الحوكمة

ما لدينا هو بلد مصاب بمرض الضعف المزمن ويحتاج إلى علاج للشفاء. لقد حاولت تسليط الضوء على العديد من هذه التفسخات والشقوق في أساسات البلد ، وتقديم العلاجات لها. إن التحليل الذي أقدمه عملي  وبراغماتيكي بحت يرتكز على  خبرة سنوات خصصتها لتحسين أداء بلدي.

سيكون هناك العديد من الأسباب التي طُرحت حول عدم قدرتنا على القيام بما أقترحه ، و السبب يكمن في أن هذه الوثيقة تأتي مع تحذير: هذه التغييرات التي أناقشها قد تخلق ردودًا عميقة مع أو ضد ، وأطلب ذلك لكل رد فعل نواجهه ، نحتاج أن نفحص داخل أنفسنا من أين تأتي ردود الفعل هذه؟ هل هي تنبع من الخوف من التغيير؟ من تحيزات طائفية؟ ماذا لو؟ ألسنا فقط نستمر في نفس المعتقدات المحدودة التي كادت أن تدمر البلد أكثر من مرة وأخيرا ، هل نحن قادرون على استكشاف مسألة بناء الوطن من وجهة نظر وظيفية بالفعل؟

الحلول التي أناقشها بسيطة،  إنها مسألة تغيير وتعديل وتحسين ما هو موجود بالفعل. ليس علينا إعادة اختراع العجلة! علينا استخدام فشلنا الحالي والدروس المستفادة منه للتطور إلى نسخة أفضل من أنفسنا. لذلك ، أعتقد أنه من أجل الخروج من حفرة الظلام التي سقطت فيها البلاد ، هناك بعض الأولويات العاجلة التي يجب معالجتها وكذلك بعض المخاوف السياسية والهيكلية التي يجب حلها لضمان التغيير الدائم

تجدون أدناه مخططات هذه الأولويات والإمكانيات. سأبدأ بالتأكيد بالأمور التي تحتاج إلى عمل فوري

القسم الأول – الأولويات

مالياً واقتصادياً

بسبب الضغط الهائل الذي يمارس على الوطن بسبب الانهيار المالي للنظام المصرفي ، وتواطؤ هذا القطاع في تشويه سمعة البلاد ، من المهم جداً تصحيح هذا القطاع باعتباره أولوية لجميع المعنيين

طلب ​​التدقيق الجنائي الموازي

على السلطة  القضائية وديوان المحاسبة  طلب إجراء تدقيق مالي  وذلك بموازاة عمل الحكومة لجهة تنفيذ التدقيق المالي على مصرف لبنان. فلحين  الكشف عن كل هذه الأرقام وإعلانها ، لا يمكن أن يكون هناك أي عدالة ولا توجد نقطة انطلاق للمضي قدما. يجب نشر هذه المراجعة الموازية بشكل عام  لمنع تدوير الزوايا في هذا الخصوص

إقرار قانون لتوحيد الإجراءات المصرفية لحماية الجمهور

البلد في الوقت الحاضر في حالة انهيار مالي وتقوم المصارف بالتعامل مع المودعين بقسوة ودون رحمة غير اَبهة بمصير دائنيها. لذا ، فإن الأولوية هي لإيقاف هذا الإساءة اليومية والضغط من أجل إصدار قانون يوحّد ممارسات البنوك لمنح الناس الحماية القانونية. يتم عرقلة هذا القانون في البرلمان بسبب محسوبية النخبة الحاكمة وميلهم الطبيعي لحماية بعضهم البعض ومصالحهم الذاتية. تمرير هذا القانون سيعترف حتماً بعدم كفاءة تلك البنوك.

التفاوض على تسوية مع صندوق النقد الدولي

قبل مناقشة أي تسوية مع صندوق النقد الدولي ، يجب إقناع الأشخاص المسؤولين عن الكارثة المالية بأن يصبحوا نظيفي الكفّ بأي وسيلة ممكنة. يحتاج البلد الحصول على الكشف الكامل عن الموازنة المالية للدولة والأصول الموجودة والخسائر المتبقية. حتى يومنا هذا، هناك 3 أرقام متداولة:رقم صادر عن مصرف لبنان ،ورقم صادر عن  وزارة المالية ورقم ثالث صادر عن المصارف. هذا مجرد تكتيك ضبابي آخر من قبل أولئك المسببين لهذا الانهيار لزيادة التحايل على واقع الوضع وحماية أنفسهم. ومع ذلك ، من وجهة نظر بناءة، فإن التسويف لديهم يعيق أي تقدم ، حيث أن الأمر يحتاج إلى معالجة مباشرة ، للتوصل إحلى استراتيجية نهائية لإنقاذ البلاد

يجب ألا تركز الحلول اليوم على الديون والخسائر والنقد فحسب ، بل يجب أن تأخذ بعين الإعتبار أيضًا القيمة المحتملة لأصول الدولة ، على الرغم من أن متوسط إدارة هذه الأصول حتى الآن لم تراعٍ سوى الاستثمارات المحلية والأجنبيّة، ما أدّى إلى  تضرّر الإنتاج الوطني والنمو الاقتصادي. ومع ذلك ، يمكن أن يكون هذا جزءًا من خطة لإعادة تفعيل الاقتصاد بأموال جديدة في اعتماد ” شبه الخصخصة” والتحفيزات الرأسمالية

يجب على الحكومة أيضًا اعتماد سياسة مالية لا تكونغير قائمة على أرباح رأس الأموال والمكاسب المدفوعة ، لأن هذا لن يكون مفيدًا في هذا الوقت عندما يكون الاقتصاد في حالة جمود وركوض. يجب أن تأخذ الحكومة بعين الاعتبار المصاعب التي تواجه الدولة من خلال تأجيل بعض المدفوعات وجمع المستحقات الأخرى بطريقة حكيمة حتى لا تفاقم الوضع المالي الكارثي الذي يخنق الشعب

من أجل الامتثال على المدى القصير للوائح صندوق النقد الدولي وعلى المدى الطويل مع الإدارة المناسبة للمتطلبات المالية للبلد، ستحتاج وزارة المالية (MOF) إلى التركيز على إنشاء نظام إدارة ضريبة حديث من خلال تطوير نظامها الخاص برمجيات احتكارية مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات لبنان النقدية والمالية. يجب أن يفي هذا النظام بمتطلبات الإدارة الحديثة للقرن الحادي والعشرين وأن يكون نقطة انطلاق لخدمات دافعي الضرائب الإلكترونية ، لتمكين الأشخاص من تقديم وإنهاء معاملاتهم الضريبية إلكترونيًا

تتحدث وزارة المالية منذ سنوات عن تطبيق نظام ضريبة الدخل العالمي (GIT) للمساعدة في الإدارة العامة للضرائب ، والدفع وإنشاء حساب الخزانة الفردي (TSA) لتبسيط المدفوعات والإيصالات وتحسين إدارة النقد عبر الكيانات الحكومية . يجب على الوزارة تسريع هذه الابتكارات وتطبيق المعايير المحاسبية الدولية للقطاع العام (IPSAS) لاستخدامها من قبل هيئات القطاع العام في جميع أنحاء العالم في إعداد البيانات المالية. وهذا سيجعل لبنان أكثر كفاءة في الامتثال لمعايير صندوق النقد الدولي واللوائح الدولية الأخرى. إذا تم التعامل بشكل صحيح ، يمكن اعتبار هذه الفترة فرصة لتنفيذ جميع التغييرات التي وعدت بها وزارة المالية لسنوات

في الواقع ، يجب أن تكون وزارة المالية أقوى وزارة في الحكومة، ومنصة لصياغة الإصلاح الاقتصادي والسياسي والسياسات المالية وإدارة الديون بما يتماشى مع الأولويات الوطنية. يجب أن تصبح قدوة للشفافية والمساءلة ، من أجل تطبيق الحكم الرشيد. تشبه وزارة المالية مركز القيادة للحكومة بأكملها ، وهي تواجه حاليًا مشاكل خطيرة ، لأنها لم تخضع لقيادة سياسات واضحة منذ عقود ، بسبب التدخل السياسي. كانت وزارة المالية مهملة منذ عقود، وقد ساهم افتقارها إلى الموازنة وافتقارها للإشراف على أنشطة المصرف المركزي (مصرف لبنان) إلى حد كبير في الأزمة الحالية

اليوم أصبح مصرف لبنان في حالة تخلف عن السداد ويواجه الإفلاس الكارثي. يواجه مصرف لبنان عراقيل شديدة تتمثّل بأنه ليس لديه أنظمة رقابيّة ويمكن لحاكم مصرف لبنان تحديد نسب الفوائد واعتماد السياسات النقدية دون مساءلة ، ويتصرف في سرية تامة بخصوص المعاملات المالية التي يشارك فيها. الحاكم لا يبلغ أحد ولا يمكن فصله

في المستقبل ، يجب على الحكومة وضع معايير سنوية للأداء تطبق على حاكم  مصرف لبنان ، مع تمتّعها بخيار فصله نسبة إلى الأداء. يجب أن تجبر وزارة المالية البنك المركزي على الإفصاح عن سياساته النقدية فيما يتعلق بقيم ومعايير أسعار الفائدة والإصرار على نشر التقرير السنوي.(الذي تمّ تطنيشه) وستكون العديد من هذه المبادئ التوجيهية العوامل المحددة لما إذا كان لبنان سيحصل على أي تعاون رسمي ومساعدة من صندوق النقد الدولي والمقرضين الآخرين لمساعدته على الخروج من وضعه المأساوي. وجزء من هذه العملية سيكون دمجاً لعدد من البنوك في لبنان وإعادة رسملة البنوك المتبقية

فيما يتعلق بالموازنة، بقي البلد لمدة 15 عامًا بدون موازنة ، وعندما تم اعتماد الموازنة النهائية  لعام 2019 ، أعيد استخدامها دون أي تعديلات عام 2020 وشكّل ذلك تهوّراً لحد ما

للمضي قدمًا ، يجب على وزارة المالية توسيع نطاق تغطية الموازنة من خلال دمج الشؤون المالية للمؤسسات المتفلتة مثل مجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة

في ضوء الوضع المالي المعقد للبلد ، سيكون من الحكمة أيضًا أن تعد وزارة المالية الموازنة التالية لمدة ثلاث سنوات من الزمن للحد من ارتكاز تأسيس الموازنة الجديدة على مخصصات العام السابق

إعداد صندوق إغاثة لمكافحة الفقر

وقد فاقمت متطلبات Covid-19 من ارتفاع معدلات إغلاق الأعمال والبطالة والفقر التي تواجه لبنان. وقد عجل ذلك الانحدار الحاصل وخلق حالة طارئة يجب التعامل معها وإيجاد الحلول في أقرب وقت ممكن لمنع لبنان من الانزلاق إلى حالة من الفوضى العارمة

يجب على لبنان إنشاء صندوق إغاثة لمكافحة الفقر ليتم استكماله بقانون مالي جديد يخصص نسبة مئوية من أي أرباح يتم تحويلها إلى الحكومة لدفع تكاليف الخدمات التي تساعد على تخفيف المعاناة الإنسانية ، بما في ذلك توفير الغذاء والمساعدة الطبية. يجب أن يعتمد الصندوق على المبادئ الأساسية بما في ذلك الشفافية ، تحديد النطاق ، وعدم التدخل السياسي

بالإضافة إلى ذلك، مع تأثير “نقص الدولار” على الاقتصاد اللبناني القائم على نموذج معدل استيراد بنسبة 80٪ ، من المهم جدًا إعداد برنامج للأمن الغذائي للعامين المقبلين حتى تستقر العملة وتصبح المعاملات الائتمانية ممكنة مرة أخرى

يعد إصلاح نظام التقاعد أولوية موازية في الوقت الحالي بسبب آثاره الاجتماعية والاقتصادية والمالية. يوجد حاليًا ثلاثة مخططات للمعاشات التقاعدية (لا يوجد أي أموال متبقية في أي منها!) ، واحد للقطاع الخاص (مخطط تعويض نهاية الخدمة) ومخططين للقطاع العام للجيش وموظفي الدولة (الخدمة المدنية). ومع ذلك ، وفي ضوء الأحداث الأخيرة ، فإن هذه فرصة للحكومة لإنشاء هيئة استثمار جديدة للضمان الاجتماعي من خلال دمج هذه الأنظمة الثلاثة في مخطط واحد للمساهمة المحددة التمويل (FFDC). سيعزز هذا الإنصاف بين المساهمين ، ويوفر الحماية الاجتماعية لشريحة أوسع من السكان ، ويمهد الطريق لسوق عمل أكثر مرونة

سياسياً

لا يكفي إجراء التغييرات المذكورة أعلاه ، يجب ألا يغيب عن بالنا هدف خلق مناخ سياسي جديد للبلاد ، وهذا هو السبب في أن العامين المقبلين حاسمان وخلال هذا الوقت نحتاج إلى تعديل القانون الانتخابي الحالي

وبالتالي ، للمضي قدمًا ، هناك أولوية أخرى يجب التركيز عليها هي تغيير القانون الانتخابي الحالي والسماح بانتخاب المرشحين المستقلين في مجلس النواب. من الواضح أن هذا سيواجه الكثير من المقاومة ، ولكن إذا لم يتم ذلك ، فلن تكون هناك أي مكاسب جوهرية من ثورة 17 تشرين وستعود الوجوه ذاتها إلى السلطة

في الواقع ، تعديل القانون الانتخابي لعام 2017 لا يحتج جراحة دماغية  بل أنّ إجراء تعديل طفيف سيؤمن نتائج مختلفة. يتألف هذا القانون من شقين ويعمل بنظام الأغلبية بلوائح انتخابية ، وعلى أساس التمثيل النسبي من خلال تصويت تفضيلي مرتبط بالقوائم والدائرة الصغيرة في القضاء. الحل المقترح هو تعديل قانون 2017 عن طريق

تبسيط إجراءات التأهيل –

 جعل التصويت التفضيلي “صوت واحد رجل واحد”  دون ربطه بأي لائحة –

 اعتماد الصوت التفضيلي على أساس الدائرة الكبرى وهي المحافظة –

 فرض كوتا “لمرة واحدة” بنسبة 30٪ لتمثيل المرأة في مجلس النواب –

بالإضافة إلى ذلك ، يجب ألا يُسمح لمجلس النواب الحالي بتمديد ولايته الخاصة في الانتخابات المقبلة في عام  2022 (وسيكون ذلك مُغرياً جدًا للقيام به، للاحتفاظ بأغلبية الأصوات) لأن مجلس النواب الجديد سينتخب الرئيس المقبل

القسم الثاني – إعادة تنظيم القطاع العام

بعد تحديد هذه الأولويات باعتبارها ذات أهمية وطنية قصوى في الوقت الراهن ، قمتُ على مدى السنوات الماضية بصياغة أفكار سأعرضها أدناه،  والتي يمكن أن تشكّل خارطة طريق لعملية نهضة الوطن وهي تتعلق مباشرة بنقاط الضعف الدستورية والإدارية داخل الحكومة، مما يؤدّي إلى مشاكل مستمرة وانعدام الحكم الرشيد

ومع ذلك ، أود أن أشدد على أن أي تغيير ناجح في لبنان يجب أن يتم أولاً من منظور أخلاقي لاستعادة الكرامة الإنسانية وتوفير الرخاء لجميع اللبنانيين. يجب أن يأتي من نموذج القيادة بالقدوة ، حيث ينبثق نظام القيم واحترام الفرد من الأعلى إلى الأسفل ويعكس صورة المجتمع حيث تقوم المصلحة العامة على المساواة

أحد الإنجازات القليلة الملحوظة في تشكيل هذه الحكومة بعد الثورة كانت اعتماد مبدأ فصل السلطات لأول مرة من خلال الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية للحكومة ، حيث لا يجوز الجمع بين النيابة والوزارة. وهذا يضمن أن تعمل الحكومة بأكملها بنظام مناسب من الضوابط والتوازنات

تعقيباً على ما أسلفت، من المهمّ التدقيق كل فرع من فروع الدولة بشكل منفصل بسبب وجود عيوب خطيرة تعوق العمل. في الشق التشريعي، يجب تحسين وتحديث الإجراءات في القسم التشريعي عن طريق اعتماد أنظمة التصويت الإلكترونية لمنع المخالفات في عملية الاقتراع البرلمانية. بالإضافة إلى ذلك ، أصبح من الواضح بشكل مؤلم أن العديد من أعضاء البرلمان المنتخبين لا يأخذون أدوارهم التشريعية على محمل الجد وغالبًا ما يكونون غائبين. لذلك ، يجب تطبيق سجل حضور جلسات المجلس النيابي لجعلهم مسؤولين أمام ناخبيهم. إضافةً إلى ذلك، يجب إلغاء الرواتب مدى الحياة للنواب المتقاعدين، فالدولة تعد الدولة قادرة على تحمل نفقاتهم

لفترة طويلة من الزمن، كان القضاء ضحية  السلطة السياسية وكان يُستخدم ويُسخّر لخدمة مصالحهم. يجب أن تصبح السلطة القضائية أكثر استقلالية لتجنب التدخل السياسي. يجب أن يتم انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى من خلال انتخابات مباشرة من قبل القضاة. لا ينبغي أن تشارك الحكومة في هذه العملية ، حيث تأتي الحكومات وتذهب ولا تتصرف بموضوعية

في ما يتعلق الأمر بالفرع التنفيذي ، بعد الطائف، عانت الرئاسة الأولى من انخفاض كبير في صلاحياتها لصالح دور رئيس مجلس الوزراء، وقد تسبب ذلك في مشاكل دستورية وإدارية ، أهمها إساءة استخدام السلطة التشريعية. كان هذا واضحًا عندما مدد البرلمان وكالته  الشعبية  لمدة أربع سنوات بعد إلغاء الانتخابات الديمقراطية بشكل متتالي وغير دستوري ، لذلك ، أقترح أن أعيد إلى الرئيس الحق في حل البرلمان فقط في حالة محاولة أعضاء البرلمان تمديد ولايتهم وانتهاك أقدس مبادئ الديمقراطية

أيضاً ، فيما يتعلق بسلطة رئيس الجمهورية، من المهم تعزيز البند المتعلق بحق النقض الرئاسي ومنح الرئيس سلطة حقيقية للنقض لا يمكن إلغاؤها إلا بأغلبية الأصوات في المجلس النيابي وبالنسبة للقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء، يمكن أن يتم ذلك من خلال تعديل المادة 56 من  الدستور اللبناني في ما يتعلّق بإصرار مجلس الوزراء على اعتماد قرار معين  بعد طلب الرئيس إعادة النظر فيصبح القرار نافذاً حكماً وهذا من شأنه تقويض سلطة رئيس الجمهورية

واحدة من المشاكل الرئيسية التي أعاقت حوكمة البلد، والتي ساهمت بلا شك في انعدام الثقة في الاقتصاد اللبناني هي حالات الفراغ والشغور في السلطة التنفيذية

لقد استغرقت الدولة أحياناً عامين لتشكيل حكومة وانتخاب رئيس. يعود ذلك إلى عدم وجود مواعيد قطعية ونهائية لهذه الإستحقاقات. لذلك، من المنطقي فقط اقتراح إعادة النظر في مسألة المهل التي يجب أن تكون مسقطة ونهائية لا مهل حثّ، من أجل منع تكرار الشغور، لأنها تعوق البلد في كلّ استحقاق

يجب تحديد موعد نهائي لانتخاب الرئيس في 90 يومًا من الوقت الذي يصبح فيه المجلس النيابي هيئة انتخابية ، ومن أجل ضمان وجود المرشحين المؤهلين خلال هذا الإطار الزمني، من المهم أيضًا تقديم موعد نهائي للتسجيل من المرشحين للرئاسة – في 30 يوما قبل الموعد النهائي للانتخابات. علاوة على ذلك ، يوصى في هذا اليوم وهذا العصر بأن يكون الشخص على الأقل حاصلاً على شهادة جامعية ليكون مؤهلاً لمنصب رئيس الجمهورية

بالإضافة إلى ذلك ، لا ينص الدستور على أي أحكام لإعادة انتخاب الرئيس في حالة وفاة الرئيس الحالي ، وفي هذه الحالة يجب أن تكون أيضًا 90 يومًا على النحو الوارد أعلاه من وقت الوفاة ، في ذلك الوقت ، سيتحول البرلمان أيضًا إلى هيئة انتخابية. في غضون ذلك ، ستتولى الحكومة ككل امتيازات السلطة تنفيذية

أما الحكومة ، فقد عانت من نفس مصير الرئاسة الأولى بسبب عدم ذكر المواعيد المسقطة القاطعة في الدستور ، لذلك ، من أجل تجنب الشلل في السلطة التنفيذية، من المهم تحديد موعد قطعي لتشكيل حكومة – 40 يوما – برئاسة رئيس مجلس الوزراء. إذا انتهت هذه المهلة، فسيتعين على رئيس الوزراء المكلف الإعتذار عن التأليف ليحل محله آخر

باعتقادي، إنّ هذه التعديلات الدستورية الإدارية ستحدث فارقًا كبيرًا في الانتقال السلس للسلطة التنفيذية وستضيف الثقة المطلوبة بشدة لاستمرارية الحكم في لبنان وتؤدي إلى انعكاسات اقتصادية إيجابية على مستوى أشمل ، فيما يتعلق بالحكومة هناك بعض التعديلات الإدارية التي يمكن اعتبارها أولويات في هذا الوقت

الاعتبار الأول للبلاد هو تحديثها. تعود إدارة لبنان إلى الخمسينات ، وهي مليئة بالتكرار ، فقد مرّ الزمن  على المعاملات الورقية وعلى أنظمة تخزين المعلومات البالية التي تعاني من نقص الاتصال داخل الأقسام والمتابعة اللازمة. إنها أرض قاحلة قوامها عدم الكفاءة فلا يوجد مكننة وأتمتة أو توحيد للعمليات الداخلية عبر مختلف أقسام الدولة. على سبيل المثال ، فإن وزير المالية مثقل بالوظائف الإدارية، وعليه أن يوقع على كل معاملة مالية في الدولة يجب ختمها يدويًا

هذا هو السبب في أن إحدى الركائز الأساسية لتحويل لبنان في المستقبل القريب ، هي إطلاق مبادرة الحكومة الإلكترونية على الصعيد الوطني، والتي ستعمل على مستويين: الأول حكومي دولي ، لتحسين الاتصال والتواصل والكفاءة ، والثاني لتبسيط المعاملات العامة ومنع الفساد في المرافق العامة

بالإضافة إلى تحديث الحكومة ، هناك بعض المؤسسات الحكومية الإضافية التي يجب مراعاتها لمساعدة البلاد في هذا الوقت، وهذه تشمل

وزارة التخطيط (إعادة تأسيسها) – ستحل هذه الوزارة محل مجلس الإنماء والإعمار. كان مجلس الانماء والاعمار دائما هيئة شبه حكومية استعصت على المساءلة وفي نفس الوقت استنزفت الدولة. يجب خصخصة مجلس الانماء والاعمار

لجنة للمعونة الدولية – ينبغي إنشاؤها للتركيز حصرا على أزمات اللاجئين التي تستنزف موارد الدولة. وتكون هذه الهيئة بطبيعتها مسؤولة مباشرة أمام رئيس الجمهورية. وسيتناول كل من شؤون اللاجئين الفلسطينيين ، ووضعهم ، وتمويل الأونروا وخدمات المساعدة الأخرى ، وكذلك شؤون النازحين السوريين فيما يتعلق بعودتهم. وستكون مسؤولة عن وضع الموازنات وتأمين استمرارية المساعدة الدولية لجميع اللاجئين على الأراضي اللبنانية

لجنة الإغاثة من الفقر – ​​سيتم إنشاء هذه اللجنة كمنظمة رقابية للإشراف على إدارة صندوق إغاثة الفقر ، بما في ذلك مخصصاته وصرفه لأكثر القطاعات حرمانًا من السكان. وسيقدم تقريرا دوريّاً للحكومة

علاوة على ذلك ، كطريقة لمواجهة انهيار الاقتصاد اللبناني ، من المهم جداً تجزئة آثار هذا الانهيار على كامل الوطن. يمكن القيام بهذا النوع من التخفيف من خلال تعزيز الاستقلال الاقتصادي للمناطق من خلال البلديات.

كانت البلديات من أكثر قطاعات الاقتصاد تضرراً، حيث تعرضت الى استنزاف أموالها بسبب الفساد السياسي في الماضي، وقد تراكمت على البلديات أيضًا ديونًا ضخمة دون أي إشراف أو رقابة مسبقة

في ضوء استنفاد أموال البلديات ، من الضروري منح مزيد من الحكم الذاتي للبلديات لإدارة شؤون مواطنيها في مناطقهم ، لذلك فمن الضروري للحكومة المقبلة، استعادة وزارة الشؤون البلدية وفصلها عن وزارة الداخلية. ستتعامل هذه الوزارة مع اللامركزية وتخصص الموارد للبلديات، وتمنحها الاستقلال المالي لإدارة ميزانياتها. يمكن لاستراتيجية اللامركزية هذه أن تخفف من ضغط الأزمة الاقتصادية الوطنية على أساس محلي من خلال خلق فرص عمل وتطوير البنية التحتية

كذلك سيكون من المهم سن قوانين لإناطة البلديات بالسلطة المالية لفرض رسوم وضرائب مجتمعية معقولة. سيكون هذا أكثر فعالية في المناخ الاقتصادي الحالي ، حيث يمكن تعديل النسب الضريبية لتناسب ثراء المناطق وازدهارها. إن سياسة تمكين البلديات هي سبيلي للدولة للبدء في اقتراح سياسة مالية أقل قسوة وأكثر تأثيرًا

واحدة من المشاكل الرئيسية التي أدت إلى ارتفاع مستوى الفساد الحكومي على مدى العقود الماضية ، هو أن أجهزة الرقابة أصبحت عاجزة من قبل مختلف الإدارات. وهي تشمل المجلس الدستوري وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية والهيئة العليا للتأديب والتفتيش المركزي. يفترض بهذه الأجهزة حماية وتنظيم القطاع العام. خلال رئاسة رفيق الحريري للحكومة ، أُخضعت وكالات المراقبة هذه مباشرة لإدارته الشخصية. ومنذ ذلك الحين ، عانت من سوء القيادة والعرقلة السياسية والضعف بشكل منهجي لأسباب سياسية. يجب تمكين هذه الأجهزة الرقابية مرة أخرى كما يجب أن يزال عنهم الطابع السياسي وتولّي القيادة من قبل اختصاصيين

إن المجلس الدستوري مسيّس بالكامل. إنّ السياسيين يختارون القضاة لشغل مناصب في المجلس وبالتالي يؤثّرون على  حيادهم ويكونون عرضةً للضغوط سياسية، ويمتنع أعضاء المجلس في الغالب عن الحضور وتأمين النصاب. يجب أن يكون حضورهم إلزامياً عند انعقاد جلسات المجلس للحد من التدخل السياسي. كما يجب منح هؤلاء القضاة الحق في مراجعة القوانين دستورياً بمبادرة منهم دون الاعتماد على المطالب المسيسة لأعضاء السلطة التنفيذية والتشريعية

أمّا ديوان المحاسبة فمن المفترض أن يشكّل نظامًا للرقابة المالية لعمليات التدقيق المسبقة و في بعض الأحيان الرقابة اللاحقة. وقد سمح هذا بتمرير الكثير من المعاملات الفاسدة في القطاع العام دون مراقبة

ولهذا السبب يعاني ديوان المحاسبة أيضًا في علاقته مع وزارة المالية بسبب ازدواجية عمليات المراجعة المسبقة المالية بينهما. هذا الأمر غير مبرر ويسبب تأخيرات خطيرة في عمل الدولة

يجب أن يتحوّل ديوان المحاسبة إلى هيئة رقابة لاحقة  فقط حتى لا تتعارض إجراءاته مع دور وزارة المالية. بالنهاية، ما يهم في مراقبة الفساد، هو التحقق من كيفية تخصيص الموازنات المعتمدة أثناء وبعد الانتهاء من المشاريع

والأهم من ذلك ، أن ديوان المحاسبة لا يتمتّع بصلاحية الرقابة القضائية على العديد مما يسمى “مؤسسات الدولة” التي اتهمت بأكبر ممارسات الفساد والتي تعمل بشكل مستقل  بمعزل عن أي تدقيق من قبل الحكومة أو البرلمان

وهذه المؤسسات هي

مجلس الانماء والاعمار

مجلس الجنوب

صندوق المهجّرين

الهيئة العليا للإغاثة

لذلك ، قد يبدو من الحكمة اقتراح منح  ديوان المحاسبة  الولاية القضائية على جميع المشاريع التي تمولها الحكومة، وأن يتمتّع باستقلاله كهيئة رقابية من خلال حصوله على جميع موازنات هذه المجالس الخاصة حتى يتمكن من ممارسة رقابته الحيادية على كامل القطاع العام،  ويجب أن يشمل ذلك أيضًا الرقابة على  البنك المركزي ، الذي يجب أن يقوم به سنويًا. من المهم أيضًا من وجهة نظر مهنية أن يتمتّع أعضاء ديوان المحاسبة بخلفية مالية مهنية إضافةً إلى الخلفية القانونية

عانت معظم الهيئات الرقابية في لبنان من نقص التمويل والموارد والسلطة. وتشمل هذه الهيئات مجلس الخدمة المدنية، والهيئة العليا للتأديب والتفتيش المركزي. لقد عانت جميعها من التدخل السياسي بطريقة أو بأخرى

لقد كان لمجلس الخدمة المدنية علاقة سيئة للغاية مع القيادة السياسية لسنوات. وقد ألغيت حصانة أعضائها، مما جعل من الصعب عليهم ممارسة وظائفهم دون خوف من الانتقام السياسي لأن جزءًا من وظيفتهم هو مراقبة سياسات وممارسات الوزراء والوزارات

خلال  العقود الأخيرة ، أساء العديد من السياسيين استخدام مواقعهم في الحكومة لتعيين العديد من الموظفين في عدد من مناصب الدولة وكان ذلك بمثابة خدمة سياسية. تجاوزت الحكومات المتعاقبة  قواعد التوظيف التي فرضها  مجلس الخدمة المدنية. على سبيل المثال، لا يتم تعيين عدد كبير من موظفي وزارة المالية من خلال مجلس الخدمة المدنية ولكن وبشكل غير قانوني من خلال منظمات مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

أدت هذه الممارسات وغيرها إلى زيادة عدد الموظفين الحكوميين ، المعروفين باسم “العمال المؤقتين، المتعاقدين وغير المصنفين”. عدد هؤلاء الموظفين في الخدمة العامة هو في الواقع أكبر من عدد الموظفين المعينين من قبل مجلس الخدمة المدنية ! هذا ما  يجب القضاء عليه تدريجيا. بموجب هذه الممارسات، تُستبعد مجموعة كبيرة من “العمال العرضيين غير المصنفين” من رقابة  الهيئة العليا للتأديب إذ أنّهم لا يخضعون لاختصاصها. نتيجة لهكذا  ممارسات خاطئة أيضاً  يعاني  القطاع العام عبئاً كبيراً غير مبرر في مثل هذا البلد الصغير ما يشكّل  كلفةً باهظة للغاية على الناتج المحلي الإجمالي للحكومة

لذلك، يجب معالجة جميع أوجه القصور المذكورة أعلاه ، ومكافحة الأعباء ، وتطوير التقنيات البالية التي مر عليها الزمن ومواجهة الخلل في أداء الحكومة بسرعة باعتماد استراتيجيات وأساليب جديدة تخدم مصلحة البلاد

بعد كل ما قيل وفعل ، وبعد  تقديم هذه الاقتراحات المختلفة التي تشكّل  خارطة طريق تصحيحية ، هناك استنتاج واحد يمكنني تقديمه وهو بسيط: علينا إصلاح  الدولة  لأنها مستنزفة ، والأهم من ذلك ، لا يوجد المزيد من الوقت للتسويف والمماطلة

أخيرًا، أشبّه ما يحصل  بفيلم “The Matrix” فكما هو الحال في الفيلم، تم الكشف عن الواجهة الكاذبة لازدهار لبنان، واجهة مموهة بقشرة خارجية من الإغراء  والسحر واللمعية  وتبين أنّ كلّ ذلك كذبة وخدعة، فما نواجهه اليوم، وطن مرهق يكافح ، وطن منقسم ينخره الفساد والفشل. أعلم أن هذه النسخة الجديدة القاسية من لبنان صادمة، لكننا على الأقل نعرف أنها حقيقية

في المقابل، أعتقد بصدق أن القضاء التدريجي على كل ما هو سطحي ووهمي ومخادع ، والحد الطبيعي من الجشع، وقبول الضعف الذي نعيش فيه  يمكن أن يتحول إلى قوة ومرونة في المستقبل

فكما في الفيلم ، نحن مخيّرون أن  نأخذ الحبة الحمراء وأن نسير قدماً نحو المقاومة والدفع من أجل التغيير أو أن  نتناول الحبة الزرقاء وننسى كل شيء ونعود معميّين  إلى مناصرة “الزعيم”  والأحزاب السياسية

في الفيلم ، يأخذ البطل ، Neo ، الحبة الحمراء ويرى لأول مرة وجه Manichean الشرير  وهو وجه الواقع  الذي يجب عليه الإطاحة به. يختارNeo الانضمام إلى المقاومة. تماما مثل نيو ، نحن اللبنانيين  لا يمكننا العودة للخلف، لقد تناولنا الحبوب الحمراء بشكل جماعي ولا يمكننا إلا أن ننظر إلى المستقبل ، مهما كان هذا المستقبل مخيفاً

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s